كتب-محمود ابومسلم
بينما يضج العالم بصراعات الجغرافيا والحدود، تدور في الكواليس حرب صامتة، وقودها “المادة الرمادية” وأبطالها علماء لم يحملوا سلاحاً قط، لكن عقولهم كانت أشد فتكاً من الرؤوس النووية. من المختبرات المجهزة إلى حوادث الطرق “المجهولة”، يبقى لغز اغتيال العلماء العرب والمسلمين جرحاً نازفاً يطرح السؤال المحرم: لماذا تُقطع الرؤوس التي تفكر خارج الصندوق المرسوم؟
كتالوج القتل: “حادث سير” أم “سكتة قلبية”؟
لا تتبع عمليات اغتيال العلماء نمطاً مكشوفاً، بل تعتمد على ما يُعرف في عالم المخابرات بـ “اللمسة الناعمة”. القاتل هنا لا يترك خلفه غلاف رصاصة، بل يترك تقريراً طبياً يشير إلى هبوط حاد في الدورة الدموية، أو محضر شرطة يسجل الحادث ضد “سائق متهور” لاذ بالفرار.
الكيماء الميتة: رحيل الدكتورة سميرة موسى في أمريكا عام 1952 بسقوط سيارتها من منحدر لم يكن مجرد حادث، بل كان إشارة البدء لسيناريو طويل يستهدف منع العرب من دخول “النادي النووي”.
الشيفرة القاتلة: من يحيى المشد في باريس إلى رمال رمال في فرنسا، تتكرر المأساة؛ علماء في قمة عطائهم يرحلون في صمت مريب، تاركين خلفهم أبحاثاً تتبخر ومشاريع نهضة توضع في الأدراج.
المحرك الخفي: من المستفيد؟
عند تحليل “المستفيد” من غياب هؤلاء النوابغ، نجد أن أصابع الاتهام تتجاوز الصراعات السياسية التقليدية إلى “الاحتلال العلمي”. هناك قوى إقليمية ودولية ترى في امتلاك دول المنطقة لتقنيات النانو، أو الطاقة المتجددة، أو علوم الفضاء، تهديداً مباشراً لتفوقها النوعي.
يقول خبير استراتيجي: “اغتيال العالم ليس انتقاماً شخصياً، بل هو ‘تصفير’ لعداد الزمن العلمي لدى الدولة المعنية. القضاء على عالم فذ يعني تأخير قطاع كامل لمدة لا تقل عن عشرين عاماً.”
بين “المقصلة” و”الإغواء”
السيناريو لا يبدأ دائماً بالدم. يبدأ غالباً بعرض “الجنسية البديلة” والرواتب الفلكية في مختبرات الغرب. فإذا رفض العالم أن يكون “ترساً” في آلة غيره، وقرر العودة لبناء وطنه، تظهر “المقصلة”. هنا يتحول العالم من “عبقري مُرحب به” إلى “هدف مشروع” يجب تحييده.
غياب “الدرع”: لماذا يسقطون بسهولة؟
المأساة الكبرى ليست في قدرة العدو على الوصول إليهم، بل في غياب “البيئة الحاضنة” والحماية الأمنية والسياسية لهؤلاء النوابغ في بلدانهم.
انكشاف أمني: يغادر العالم بلاده دون “حراسة” أو حصانة تليق بكونه “ثروة قومية”.
تجاهل داخلي: أحياناً يُغتال العالم معنوياً داخل وطنه بالتهميش والبيروقراطية، مما يجعله صيداً سهلاً في الخارج.
خاتمة: هل مات السر معهم؟
إن “سيناريو الإعدام” الذي يلاحق العقول النابغة ليس مجرد قصص بوليسية، بل هو حرب وجودية بامتياز. إن الرصاصة التي اخترقت رأس العالم “فادي البطش” في ماليزيا، أو السم الذي غُيب به “جمال حمدان” (عبقري الجغرافيا) معنوياً وجسدياً، كلها فصول في كتاب واحد هدفه إبقاء المنطقة مجرد “مستهلك” للتقنية، لا “منتجاً” لها.
يبقى السؤال: متى تدرك الأمة أن حماية “عالم” واحد أهم من حماية آبار النفط؟ فالعقول هي التي تستخرج الذهب من التراب، بينما بغيابها، يتحول الذهب نفسه إلى مجرد رمال في يد الآخرين.
